اللغة الفارسية وآدابها بالمغرب
تعنى المدونة بتوصيف وضعية اللغة الفارسية وآدابها وتاريخها وبشكل عام الثقافة الفارسية في المغرب، وتعريف الطالب المغربي المعني بكل ما يتعلق بهذه اللغة من قريب أو بعيد
التفاعل بين اللغتين العربية والفارسية

 

التفاعل بين اللغتين العربية والفارسية

تمهيد :

لقد مرت العلاقات اللغوية ومسار التأثير المتبادل بين اللغتين العربية والفارسية بمراحل عديدة، وحالات مختلفة من التطور والتكامل، نتج عن ذلك تراث إنساني خصب وزاخر بالحيويّة والعطاء، بعد أن سرى التأثير في مختلف مناحي اللغتين: ألفاظاً، وجملاً، وخيالاً وتعبيراً، سنذكر بعضها خلال البحث بإذن اللّه‏ تعالى.

ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا أنّ مبدأ الاقتراض اللغوي، وظاهرتي التأثير والتأثر في لغات البشر، لا غنى عنهما إذا ما أرادت الشعوب أن تتعارف وتتآلف، وتتعاون فيما بينها كما قال تعالى في محكم كتابه العزيز: «يا أيّها النّاس إنّا خلقناكُم من ذَكَرٍ وأنثى وجعلناكُم شُعوباً وقبائلَ لتعارفوا إنّ أكرمكم عندَ اللّه‏ِ أتقاكُم » بل لا مهرب منهما لحاجة بني البشر إلى بعضهم البعض، وعدم غنى الإنسان عن أخيه الإنسان مهما ارتقى وتطور.

إذا كان الأمر كذلك، وكان لابدّ من وجود العلاقات اللغوية، والتلاقح الأدبي، وقبول ظاهرتي التأثير والتأثر في سبيل تحقيق المنافع وإقامة المصالح، يجب أن نعتبر الحالة هذه، ظاهرةً طبيعيّةً في حياة البشر، وإيجابيّة في كثير من الأحيان.

دفاع الفرس عن اليمن قبل الإسلام  :

إنّ الحدود الجغرافية بين الفرس والعرب جد شاسعة، وكانت هاتان الأمّتان ومازالتا جارتين منذ آلاف السنين وقد ربطت بينهما أواصر المحبة والودّ وحسن الجوار قبل الدين الإسلامي الحنيف وبعده، وخير شاهد على ما نقول، هو الصلات الوثيقة التي ربطت بين الفرس والعرب ومن ثَمَّ بين الفارسية العربيّة قبل الإسلام.

فقد هاجم الأحباش جنوب الجزيرة العربية عن طريق البحر الأحمر وذلك قبل ظهور الدين الإسلامي الحنيف، ودافع الفرس عن العرب هناك حيث كانت تربطهم أواصر المودة مع قبيلة (حِميَر) وهي من القبائل العربية الكبيرة، فقد عبَر الجيش الإيراني مياه الخليج حتى وصل إلى جنوب الحجاز وقضى على الأحباش وأنقذ أبناء حِميَر مما لحقهم من ظلم على أيدي الأحباش. وهذا التلاحم الذي تحقق بين الإيرانيين وعرب الجنوب جعل الإيرانيين يتأثرون باللغة العربية لدرجة أن بعضهم أنشد شعراً بالعربية عن حملة الإيرانيين عن طريق المياه ووصولهم إلى قبيلة حمير في جنوب الحجاز والقضاء على الأفارقة ذوي السحنة السوداء والذين عرفوا باسم «السودان» فقد قال ذلك الشاعر الإيراني (مُروج الذهب،2/83) :

نَحْنُ خُضْنا البحارَ حتى فككنا          حِـميراً مـن بليةِ السـودانِ

بِلُيوثٍ من  آل  ساسانَ  شُرُسٍ          يمنعـون  الحـريمَ    بالمِرانِ

و  بيـضٍ    بـواترَ    تتلألأُ         كسَنى البَرقِ في ذُرى الأبدانِ

فقَتلْنا  مسْروقـاً   إذْ   تاهَ  لمَّا          أنْ   تداعَتْ  قبائلُ  الحُبشانِ

وفَـلَقْنا يـاقوتةً بيـن  عينِـه          بـنُـُشَّابـةِ الفتى السَّاساني

وقد أعجب البحتري، الشاعر العربي الشهير في القرن الثالث بدفاع الفرس عن حِميَر واليمن وصنعاء وعدن قبل الإسلام فنظم قصيدة غرّاء أثنى فيها على الفرس وذكرها المسعودي أيضاً وننتخب منها هذه الأبيات التي يخاطب فيها البحتري أبناء فارس:

فَكَمْ لَكُم  مِن يَدٍ  يَزكُو الثناء بها         ونعـمةٍ ذكرها باقٍ  على الزمنِ

إن تفعلوها فليست بِكْثرةَ أنعمكُم         و لا يدٌ كأيديكُمُ  علـى  اليمنِ

أيامٌ  جلَّّى  أنو شيروان  جـدكم         غيابة الذُلِّ عن سيف بن ذي يزن

إذْ  لا  تَزالُ  خيولُ  الفُرسِ  دافعةًً         بالضَّرْبِ والطعنِ عَنْ صنعا وعن عدنِ

أنتم  بنو المنعمِ  الُمجدي و نحنُ بنو       من فاز  منكم بفضل الطول و المِنَنِ

 

الملك الإيراني الذي نشأ بين العرب في الجاهلية ونظم أشعارا عربية :

إذن كان العرب على صلة مستمرة بالفرس، فالقوافل التي تحمل البضائع تتجه إلى الحجاز من بلاد فارس، كما كان أهل الحجاز يترددون على أسواق الحيرة للبيع والشراء. وقد أقام الفرس ببلاد اليمن زمنا طويلاً، وتزاوجوا، وعُرِفت سلالتهم في بلاد اليمن بأبناء الأحرار.

وتعتبر السلالة الساسانية آخر سلالة حكمت إيران قبل الإسلام، ومن ملوكها الذين كان لهم باع طويل في الأدبين العربي والفارسي «بهرام جور» فهو إيراني ولكنه كان مشغوفاً باللغة العربية حيث أتقنها ونظم بها أشعارا فيها طابع الفروسية والشجاعة في ميادين الحروب.

وقد ذكر المسعودي في كتابه (مروج الذهب) أن بهرام جور (كان نشوؤه مع العرب بالحيرة ـ في الجاهلية‏ـ وكان يقول الشعر بالعربيّة ويتكلم بسائر اللغات، وكان على خاتمه مكتوب: بالأفعال تُعظم الأخبار).

وكان ملك الترك واسمه خاقان قد حمل على إيران في أيام بهرام جور، وخرج بهرام إلى حربه وقَتَلَهُ وبَدَّد جيوشه وقال هذين البيتين بالعربية:

أقول له لما فضضتُ جموعه          كأنك لم تسمع بصولات بهرام

فإني حامي ملكِ فارسَ كلِِّّها          و ما خير ملكٍ لا يكون له حام

ثم نظم بهرام جور هذه الأبيات بالعربية أيضا:

مَلكْتُ ملوكهم و قهرْتُ منهم          عزيزهم  المُسَوَّدَ  و  المسودا

فتلك  أسودهم  تقعى  حذاري         و ترهب من  مخافتي  الورودا

وكنتُ  إذا  تشاوس ملك أرض         عبّأت  له  الكتائب  و الجنودا

فيعطيـني  المقادة  أو  أوافـي          به يشكو السلاسـل و القيودا

 

تعظيم الفرس لبيت اللّه الحرام في الجاهلية ونظم أشعار عربية بهذه المناسبة :

كان الإيرانيون قبل الإسلام يذهبون إلى بيت اللّه‏ الحرام في مكة المكرمة لتعظيم بيت الله الحرام، أما لماذا كانوا يذهبون؟ فقد ذكر المؤرخون أن الإيرانيين كانوا يعتقدون أن النبي إبراهيم عليه‏السلام الذي بنا الكعبة الشريفة هو جدهم وبما أن النبي إبراهيم عليه‏السلام كان يقدس الكعبة فهم أيضا يقدّسونها، وفي ذلك يقول المسعودي في مروج الذهب : (وقد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام وتطوف به تعظيماً له ولجدّها إبراهيم عليه‏السلام ، وتمسُّكاً بهديه وحفظاً لأنسابها وكان آخر من حج منهم ساسان بن بابك... فكان ساسان إذا أتى البيت طاف به... وكانت الفرس تهدي إلى الكعبة أمولاً في صدر الزمان وجواهر، وقد كان ساسان بن بابك هذا أهدى غزالين من ذهب وجواهر وسيوفاً وذهباً كثيراً فدفن في زمزم).

وأشار المسعودي إلى أن ذهاب الإيرانيين إلى بيت اللّه‏ الحرام قبل الإسلام واجتماعهم حول بئر زمزم كان في سنوات عديدة حيث قال: (ترادف كثرة هذا الفعل منهم)، والحصيلة من هذا أن ذهاب الإيرانيين وبصورة مترادفة إلى الحج قبل الإسلام قد جعلهم يتأثرون باللغة العربية. وقد نُظِمَت أشعار باللغة العربية بهذه المناسبة وفي ذلك يقول الشاعر في قديم الزمان :

زمزمتِ الفرسُ على زمزمِ            وذاك من سـالفِهَا الأَقـدمِ

وقد افتخر بعض شعراء الفرس بعد ظهور الإسلام بذلك فقال :

و مازلـنا نحج البيت قُدما          و نـلفى بـالأباطح آمنينا

وساسانُ بن بابك سار حتى          أتى البيت العتيق يطوف دينا

فطاف به  و زمزم  عند بئر          لإسماعيل  تـروي  الشاربينا

تكريم الإيرانيين للخطباء والشعراء العرب قبل الإسلام:

كان بعض الخطباء العرب يفدون إلى إيران قبل الإسلام وكان الإيرانيون يكرمونهم إكراما عظيماً، ونذكر بهذا الصدد خطيباً عربياً من قبيلة ثقيف في مدينة الطائف واسمه غيلان بن سلمة الثقفي فقد جاء إلى إيران قبل الإسلام وألقى أمام حكامها خطبة عربية جليلة فأعجب به حكام إيران آنذاك وكافئوه مكافأة قيمة إذ أمروا عمّا لهم أن يذهبوا إلى الطائف ـ على رغم بعد المسافة الجغرافية بين إيران والطائف ـ وأن يبنوا له قصراً هناك، والخطبة العربية للخطيب غيلان والتي كانت مكافأتها من الإيرانيين بناء قصر جميل في مدينة الخطيب ذكرت في كتاب قصص العرب.

الأعشى وهو أشهر من أن يُذكر وعلى الرغم من ضعف بصره فقد كانت له قريحة نفّاذة، ومع أنه كان يعشو في رؤيته فقد كان يقطع المئات والمئات من الكيلومترات ويأتي إلى إيران حباً منه للإيرانيين الذين كانوا يكرمون وفادته ويشتاقون إلى الاستماع لأشعاره العربية، وقد ذكرت وفادة الأعشى لإيران في مختلف الكتب وكان لها أثران مهمان وهما: تأثر الإيرانيين باللغة العربية التي كان الأعشى ينشد بها أشعاره، وتأثر الأعشى باللغة الفارسية حيث يشاهد بعض الكلمات الفارسية في بعض أبياته.

 وقد جاء إلى إيران عدة مرات بأشعاره العربية، وقالت عنه موسوعة المورد: (وفد على ملوك فارس فمدحهم، وسار شعره العذب على الألسنة)، وقال عنه المحقق النجفي الحمامي (قصد ملوك الساسانيين فأثابوه وأجزلوا له العطاء والجوائز والهبات).

والمعروف أن الأعشى كان يفد على بلاط الساسانيين ويمدحهم وينال الجوائز منهم، وروى ابن قتيبة (أن الأعشى كان يفد على كسرى وقد أنشده قوله:

أرقتُ وَمَا هذا السهادُ المؤرقُ          وما بي من سُقْمٍ وَ ما بِي مُعْشَق         

فطلب كسرى أن يترجم له هذا القول، فلما ترجموه قال: إن سَهَرَ مِنْ غيرِ سُقْمٍ ولا عِشْقٍ فَهُوَ لِصٌّ).

وقد أخطأ كسرى في انتقاده هذا وتعليله غير الصحيح، فقد رأى كسرى أن الشاعر إذا سهر في ليلة وهو غير مريض وغير عاشق فهو سارق يتحيَّن الفرص حتى يسرق تحت جنح الظلام. ولم يعلم كسرى أن الشاعر عندما يسهر في ليلة إنما يسهرُ لنظم شعره، وهذا هو دأب العديد من الشعراء. فالأعشى إنما كان يسهر في ليله وهو ليس مصابا بالأَرق وليس بعاشق، إنما كان سهره لنظم شعره ولم ينتبه كسرى إلى هذا الأمر لأنه لم يكن شاعرا.

وقد تأثر الأعشى باللغة الفارسية للأسباب التي ذكرنا، وقد ألّف أحد المحققين (حسين عبد الباسط) كتابا عن الألفاظ الفارسية في شعر الأعشى (ألفاظ فارسية معربة في شعر الأعشى)، ومن الكلمات الفارسية في شعر الأعشى:(الابريق والارجوان والدهقان والصنج والطنبور)

كما ذكر الأعشى كلمة (دشت) وتعنى السهل في هذا البيت من أشعاره :

وقد علمت فارس وحمير والأعراب بالدشت أيَّهم نُزُلا

فأسفار الأعشى إلى إيران أثرت على أشعاره، ولكن الدكتور محمد على آذرشب الأستاذ في جامعة طهران له رأي آخر في سبب وجود الكلمات الفارسية في شعر الأعشى حيث قال: (كانت عشيرة الأعشى تسكن الجنوب الشرقي من الجزيرة العربية، بالقرب من الإيرانيين ولذلك فقد كانت لهذه العشيرة ‏وللأعشى بشكل خاص علاقات بإيران و الإيرانيين.

كان أحد الشعراء العرب قبل الإسلام وفى عهد الساسانيين اسمه عدى بن زيد وكان يعيش في العراق وكان (وسيلة ارتباط بين ـ مدينتى - الحيرة والمدائن (عاصمةِ الأكاسرة) لأنه كان يحسن اللغتين العربية والفارسية وكان يتولى الشؤون العربية في ديوان كسرى برويز.

الحارث الطبيب والخطيب وهو من أهل الطائف وكان (سافر إلى فارس وتعلَّم الطب)، وألقى خطابا مسهبا أمام كسرى عن الأغذية والأدوية وذكرت في كتاب (قصص العرب) في أربع صفحات، وقال له كسرى: (للّه‏ِ درك من أعرابي، لقد أُعطيت علماً وخُصصتَ فطنةً وفهماً).

إيران إبان الدخول في الإسلام :

  إن دخول الإسلام والعرب إلى إيران أثر تأثيرا كبيرا وملموسا في بنيتها السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية، وقد حول ذلك مسير تاريخ إيران إلى وجهة أخرى. وبعبارة أخرى، كانت هذه الدورة من الدورات القليلة الانتقالية في مسير تاريخ إيران، الانتقال من العهد القديم إلى العهد الإسلامي. وعلى الرغم من أن هذين المقطعين لا يمكن فصلهما عن بعض فصلا تاما، ولكن بعد قرنين من النزاع والتلاقي الثقافي، شهدنا منذ بداية القرن الثالث وما بعدها ظهور ثقافة مركبة ومشتركة إيرانية - إسلامية.

  و حين‌ دخل‌ الإسلام‌ بلاد إيران‌ كانت‌ اللغة‌ الإيرانية‌ الشائعة‌ هي‌ اللغة‌ " البهلوية‌ " و هي‌ من‌ أهم‌ اللغات‌ الإيرانية‌ الوسطى‌ التي‌ كان‌ قد تم‌ بها تسجيل‌ الكثير من‌ الآثار الزردشتية‌ وتعاليمها، كما تم‌ نقل‌ كتاب‌ " الأفستا" إلى لغتها، ويدل‌ تاريخ‌ اللهجات‌ الإيرانية‌ على‌ أن‌ اللغة‌ الدريّة‌ وهي‌ اللغة‌ الفارسية‌ الحديثة‌ للدور الثالث‌ كانت‌ معروفة‌ في‌ "المدائن" عند دخول‌ الإسلام‌ إليها، وهي‌ امتداد للغة‌ البهلوية‌ وأحد مظاهر التفاعل‌ بين‌ اللهجات‌ المتقدمة‌.

وامتدت‌ الفتوحات‌ الإسلامية‌ إلى‌ بلاد إيران‌، وظهر الإسلام‌ في‌ صورته‌ العربية‌ لغة‌ وطبيعة‌ وحكما، وعرض‌ الإسلام‌ على‌ السكان‌ الإيرانيين‌ الدخول‌ إليه‌، فكان‌ ذلك‌ عاملا في‌ دخول‌ اللغة‌ العربية‌ في‌ صلب‌ اللغة‌ الفارسية‌ الجديدة‌ وتغلغلها فيها .

وفي‌ تلك‌ الأدوار كان‌ الإيرانيون‌ يسعون‌ للإحاطة‌ باللغة‌ العربية‌ لدواع‌ مختلفة‌، وكان‌ لطول‌ مدة‌ السيطرة‌ العربية‌ وانقطاعِ‌ الفرس‌ عن‌ الاتصال‌ بماضيهم‌، وما أصاب‌ كتبَهم‌ القديمة‌ من‌ تلف‌ أن‌ أدى‌ كلُّه‌ إلى تعزيز مدى عملِ‌ اللغة‌ العربية‌ في‌ اللغة‌ الفارسية‌، حتى خرجت‌ بها مخرجا آخر تجاوز حدود اللفظ‌، لأن‌ دخول‌َ الكلمات‌ العربية‌ إلى‌ الفارسية‌ جرى على‌ أساس‌ الحاجة‌ إلى‌ المعاني‌ كما كان‌ قد حصل‌ من‌ طلب‌ العربية‌ للفارسية‌ ودخول‌ الكلمات‌ الفارسية‌ في‌ العربية كذلك.

على أن‌ العامل‌ الأساسي‌ لنزوع‌ الإيرانيين‌ إلى‌ العربية‌ هو دخولهم‌ في دين‌ الإسلام‌ وهذا ما سنعرضه‌...

جاء الإسلام‌ إلى‌ إيران‌ وجميع‌ُ طقوسه‌ وتعاليمه‌ ونصوصه‌ باللغة العربية‌، وكان‌ التبشير بالإسلام‌ وباللغة‌ العربية‌ هو الغاية‌َ الأولى‌ والأخيرة‌ من‌ الفتوحات‌ الإسلامية‌.

يقول‌ البروفيسور "إدوارد براون‌" : إن‌ الآثار الإيرانية‌ وحضارتها التاريخية‌ تعرضت‌ مرتين‌ لحملتين‌ أحدثتا فيها فجوتين‌ عميقتين‌، أولاهما الحملة‌ التي‌ قام‌ بها الاسكندر المقدوني على‌ إيران‌ والتي‌ انتهت‌ بزوال‌ الإخمينيين، أما ثانيتُهما فهي‌ الحملة‌ التي‌ قام‌ بها الإسلام‌ على‌ إيران‌، و التي‌ لم‌ ينته‌ بها عهد الساسانيين‌ فحسب‌، وإنما أطاحت‌ بالديانة‌ الزردشتية‌، ومع‌ أن‌ مدة‌ هذه‌ الفجوة‌ كانت‌ أقصرَ من‌ الفجوة‌ الأولى‌، ولكن‌ تأثير الإسلام‌ كان‌ عميقا في‌ نفوس‌ الإيرانيين‌ وفي‌ أفكارهم‌ ولغتهم‌، لأن‌ الحضارة‌ اليونانية‌ وطابعها على‌ رأي‌ "نولدكه‌ "(Neldke)لم‌ تستطع‌ أن‌ تتجاوز المظاهر والشكل‌ والقشور من‌ حياة‌ الإيرانيين‌، أما الشريعة‌ُ الإسلامية‌ فقد تغلغلت‌  في‌ ذلك‌ الحين‌ بشكل‌ ملحوظ‌ في‌ إيران‌.

ويقول‌ " شبلي‌ نعماني‌ " في‌ "شعر العجم" : إن‌ الحقيقة‌ هي‌ أن‌ الإسلام‌ يشيع‌ وينتشر في‌ أية‌ أمة‌، يشغل‌ الدِّينُ‌ منها كلَّ‌ فراغها، ويحتل‌ جميع‌ نفوسها، بحيث‌  لا يُبقي‌ مجالا‌  للتفكير في‌ شي‌ء آخر من‌ الشؤون‌ المدنية‌ والاجتماعية‌ غير الدِّين‌.

ويقول‌ "ابن‌ خلدون" : إن‌ استعمال‌ اللسان‌ العربي‌ صار من‌ شعائر الإسلام‌، وصار هذا اللسان‌ُ لسانَ‌ الشعوب‌ والأقوام‌ في‌ جميع‌ المدن‌ والأمصار، وهذا ما دعا المدركين‌ من‌ المسلمين‌ الإيرانيين‌ أن‌ يمنحوا الديانة‌ الإسلامية‌ كلَّ‌ ما يملكون‌ من‌ جهود للتفقه‌ بها، ودراسة‌ فلسفتها وأهدافها، والحدب‌ على‌ القرآن‌ الكريم‌ وتتبع‌ تفاسيره‌، وما تفيض‌ به‌ كتب‌ السيرة‌، وكتب‌ الحديث‌ والأخبار والرواية‌، ولمَّا كانت‌ مثلُ‌ هذه‌ العناية‌ بالدين‌ لا تتم‌ على وجوهها الكاملة‌ من‌ غير الإحاطة‌ باللغة‌ العربية‌ وقواعدها، فقد أقبل‌ الكثير من‌ الإيرانيين‌ وأولادِهم‌ وأحفادهم‌ من‌ الداخلين‌ في‌ الإسلام‌ مباشرة‌ أو من‌ الموالي‌ على‌ دراسة‌ اللغة‌ العربية‌ والنصوص‌ الدينية‌ ومتطلبات‌ البلاغة‌، حتى‌ لقد نبغ‌ منهم‌ أئمةٌ‌ وعلماء من أمثال أبي‌ حنيفة‌ النعمان‌ بن‌ ثابت‌ في‌ الفقه‌، والبخاري‌ في‌ الحديث‌، والكسائي‌ وسيبويه‌ والفراء والأخفش‌ في‌ النحو، وأبي‌ عبيدة‌ معمر بن‌ المثني‌ في‌ اللغة‌ والأدب‌ وغيرِهم‌ ممن‌ تصدوا لدراسة‌ الدين‌ والأدب‌ في‌ القرنين‌ الأول‌ والثاني‌, أما الذين‌ نبغوا بعد ذلك‌ من‌ الموالي‌ أصلا أو الداخلين‌ في‌ الإسلام‌ مباشرة‌ أو انتقالا عن‌ آبائهم‌، فقد كانوا كثيرين‌ جدا، و عن‌ طريق‌ هؤلاء وأمثالهم‌ انتقلت‌ نصوص‌ الديانة‌ وشروحها وتفاسيرها وإعرابها وقواعد اللغة‌ وعروض‌ الشعر إلى‌ اللغة‌ الفارسية وآدابها‌، فكان‌ لها شأنها في‌ تطوير اللغة‌ الدريّة‌ الفارسية‌، ونسيانِ‌ أو تناسي‌ عدد غير قليل‌ من‌ الكلمات‌ الفارسية‌، بل‌ اختفائِها نهائيا من‌ القواميس‌ الفارسية‌ وحلولِ‌ الكلمات‌ العربية‌ محلها، وكان‌ الاهتمام‌ باللغة‌ العربية‌ من‌ الإيرانيين‌ قد بلغ‌ القمة‌ منذ القرن‌ الثاني‌ الهجري‌، فما بعد حتى‌ أُلِّفت‌ عدة‌ قواميس‌َ للغة‌ العربية‌ باللغة‌ الفارسية‌.

لقد كان لحضور المسلمين في إيران أكبرَ الأثر على امتداد تاريخ إيران. فعرب خراسان، مثلا، اصطبغوا بالصبغة الإيرانية إلى حد كبير، كالزواج من الإيرانيات، والاحتفال بالنيروز وبالخريف، وتعلموا الفارسية فهما وتكلما، إن استعمال العرب اللغة الفارسية في تعاملهم مع الإيرانيين يعتبر من أسباب انتشار هذه اللغة فيما وراء النهر. وكانت الثقافةُ الفارسية الشعبية أبعدَ تأثيراً في المحيط العربي لهذا العصر، فقد دخل الفرس في الإسلام واقتبس العرب كثيراً من أساليبهم في المطعم والملبس وبناء القصور وتنظيم إدارة الدولة والشؤون الديوانية والإداريةوترتيب الخدم والحشم، وآداب السلوك بين أيدي الملوك والرؤساء، وكان والرؤساء العرب يميلون إلى طراز حياة الأشراف الإيرانيين، وكانوا أحيانا يرجحونه على عاداتهم.

 إن قابلية الاقتباس الثقافي لم تكن من طرف واحد فقط، فالإيرانيون، على الرغم من محافظتهم على اعتقاداتهم ورسومهم القديمة، أخذوا من العرب بعض عناصر ثقافتهم، كاللغة العربية وأصول الدين التي كان العرب حملتَها، وتأثرت اللغة الفارسية تأثرا كبيرا باللغة العربية التي قامت ‏بدور مهم في المحافظة على وحدة الأمة.

 لقد قام الإيرانيون بعد إسلامهم بدور كبير وأساسي في خدمة وإغناء الثقافة الإسلامية وعلومها. وهم، بحبهم الشديد للدين الجديد وتعلقهم به فاقوا العرب على كثير من الأصعدة. إنهم، بصفتهم حلقة وسطى، جدُّوا في إثبات مقولة أن الإسلام إنما جاء للبشرية جمعاء ولم يختص بالعنصر العربي فقط، فأوجدوا الانسجام بين الفكر الإيراني والفكر الإسلامي، وكان لهم دور بارز في الارتقاء بهما، وعقدوا الأواصر بين الماضي القديم والدين الجديد. واستنادا إلى نظرة الإسلام المنافية للطبقية، ولخروج العلم من احتكار طبقة معينة، أصبحوا بعد قرون رواد الثقافة الإسلامية، تلك الثقافة التي وإن ترعرعت في أحضان الإسلام، إلا أنها لم تكن مقترنة بالعرب وحدهم.

و قد كان لدراسة اللغة العربية و أدبها شأن عظيم في إيران منذ العصور الأولى للإسلام لكونها لغة الدين ولغة الدولة. وكانت اللغة العربية تُدرَّس في مختلف المستويات من الكُتَّاب إلى المدارس العليا وكان يهتم بها طلبة علوم الدين المرشحون للمناصب الحكومية من الكُتاب والعمال وكان الكُتاب في الغالب على جانب كبير من الثقافة الأدبية العربية بمقتضي مهنتهم .

وكان للأدب العربي مركزان هامان في إيران وهما نيشابور وري وكانت الري مقر البويهيين ووزرائهم المشهود لهم بالبراعة في الأدب العربي وقد نشأ في عصر الصاحب بن عباد المعروف بولائه للعرب والأدب العربي جمعٌ كبير من الشعراء عقدَ لهم الثعالبي فصلاً خاصاً في يتيمته. وكذلك نيشابور أنجبت كثيراً من الشعراء والأدباء ربما يفوق عددُهم شعراءَ الري وأدباءهم وفيهم الهمداني. ولم يكن إنتاج الأدب في نيشابور مقصوراً على أهل البلد فقط، فقد كان للقرى التابعة لهم أدباؤها وشعراؤها ممن ذكرهم الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر و التتمة.

تأثير اللغة العربية على اللغة الفارسية :

إن انضواء إيران تحت لواء الإسلام وتحررَها من العهد الساساني، وتحولَ هذه البلاد العريضة الواسعة من عباده النار والخرافات إلى عباده الله، قد فجَّر في الإيرانيين طاقات علميةً وفكرية هائلة، ووجدوا أنفسهم منجذبين إلى هذا الدين الجديد، فأقبلوا عليه بشوق ولهفة، وشعروا بأنه الفجر الذي كانوا ينتظرون طلوعه والأمل الذي يحقق طموحاتهم في حياة حرة كريمة. وكان تهافتهم على تعلم العربية والقرآن بشكل مثير للانتباه، حتى أصبح الكثير من الإيرانيين من أكابر علماء العربية والأدب العربي والفقه والتفسير.

وكان من نتيجة ذلك أن أقصيت الفارسية البهلوية المعقدة، وظهرت إلى الوجود لغة جديدة متأثرة بالعربية والإسلام وتحمل الكثير من المفردات العربية والمصطلحات الإسلامية، وهي اللغة الفارسية الدرية التي سبق أن أشرنا إليها. وقد دخلت تلك المفردات العربية بشكل تدريجي، لاسيما وأن اللغة القديمة كانت عاجزة عن تلبية الحاجات الجديدة التي ولدت بفعل الإسلام، وقاصرة عن التعبير عن الأفكار المستمدة من هذا الدين الإلهي. وقد قَوِيت الفارسية نتيجة لذلك وأصبحت أكثر عالميه. «فالعربية قد أغنت الفارسية إغناء كثيراً مما جعلها قادرة على إنشاء أدب متفتح وخصوصاً في الشعر. فقد بلغ الشعر الفارسي أوج جماله و روعتِه في أواخر القرون الوسطى. و سلكت الفارسية الجديدة سلوكاً كان يأخذ بزمامه جماعة من الفرس المسلمين الماهرين بالعربية قبل أن يدخلوا حلبة الأدب الفارسي الجديد» (الإسلام وإيران ص 101).

  ولم يقتصر الأمر على المفردات العربية، بل دخلت إلى الفارسية حتى قواعد العربية كالجمع والتثنية وعلامة التأنيث ومطابقة الصفة للموصوف والقواعد الصرفية ونظام العروض العربي وبعض الأوزان الشعرية.

 ولابد من التذكير بأن بعض المفردات والمصطلحات العربية قد دخلت إلى الفارسية بعد أن أُجريت عليها بعض التغييرات والتعديلات التي صاغتها بما يتلاءم وقواعد الفارسية. فمثلاً قد تركت كافة مخارج الحروف العربية عدا تلك التي تتشابه مع مخارج الحروف الفارسية. كما حذفت أجزاء من أوائل وأواخر بعض المفردات، فأصبحت لا تؤدي المعنى الذي لها في العربية. وتحول بعض الأفعال إلى صفات وأسماء، و عوملت بعض صيغ الجمع وكأنها كلمات مفردة.

 وكان نفوذ الكلمات العربية إلى الفارسية قد تم في البداية في صورتين :

 1- عندما تكون المفردة العربية أبسط من الفارسية أو أسهل منها، أو عندما يكون استعمالها في الفارسية سبباً من أسباب تطويرها وازدهارها.

 2- عندما لا يوجد للمفردة العربية مفردة تقابلها في الفارسية. ويشمل هذا النوع المفردات والمصطلحات الدينية، وبعض المصطلحات السياسية والعلمية.

ويبدو أن كافه المفردات العربية التي استخدمت في شعر القرن الرابع الهجري، هي من نوع المفردات التي نفذت إلى الفارسية في أواخر القرن الثالث، غير أنها كانت أكثر استعمالاً في الشعر منها في لغة النثر والمخاطبة. «و منذ أواخر القرن الهجري الرابع حينما انتشرت الثقافة الإسلامية وتأسست لذلك مدارس في مختلف نقاط إيران، وغلبت الديانة الإسلامية على سائر الأديان، واجهت مقاومة الزردشتيين في إيران هزيمة مصيريه نهائيه، وبدأت تتجلى الثقافة الفارسية بالصبغة الإسلامية، و تأسست أسس التعليم على الأدب العربي والدين الإسلامي.. حينذاك أكثر الكتاب والشعراء من نقل الألفاظ العربية، وقللوا من الكلمات والأمثال والحكم السابقة في النثر والشعر. ونحن نرى أن حِكَم بزرجمهر والأفستا و زردشت ترد في شعر الفردوسي والدقيقي وغيرهما من شعراء العهد الساماني وأوائل العهد العزنوي أكثرَ منها في شعر العنصري والمنوچهري في القرن الرابع وأوائل القرن الهجري الخامس» (الإسلام وإيران ص 91).

ومنذ القرن الهجري السادس ازداد التلاصق بين اللغتين الفارسية والعربية وكَثُر استعمال المفردات والمصطلحات العربية في النثر، فضلاً عن تداولها بين الشعراء. بل ودخلت في هذه الفترة حتى المفردات والعبارات العربية التي لا يبدو دخولها ضرورياً ولم تستدع الحاجة إليها.

ودفع التأثر بالعربية بعض الإيرانيين القدماء إلى كتابة مؤلفاتهم بالعربية و من هؤلاء نذكر :

الصاحب بن عباد (توفي 385 هـ) من مدينه طالقان الإيرانية، وأصبح وزيراً لمؤيد الدولة البويهي ومن ثم أخيه فخر الدولة. وكان يكرم الشعراء والكتاب ويهتم بالأدب العربي. ومن أهم آثاره بالعربية كتاب «المحيط في اللغة»..

بديع الزمان الهمداني398 هـ) ولد بهمدان وانتقل إلى خراسان وجرجان. له بالعربية كتابه «المقامات» و «الرسائل»..

ابن مسكويه421 هـ) مفكر أديب وكان ذا نفوذ عظيم في البلاط البويهي. له «تجارب الأمم» و «تهذيب الأخلاق»..

أبو ريحان البيروني440 هـ) عالم إيراني شهير برز في مختلف العلوم والتاريخ والأدب. ومن مؤلفاته «الآثار الباقية من القرون الخالية» و«القانون المسعودي في الهيئة والنجوم»..

ابن سينا428 هـ) من مشاهير إيران ومفاخرها. ولد في بخارى وتوفي في همدان. برع في الطب والنجوم والرياضيات والحكمة والمنطق. من مؤلفاته : «القانون في الطب» و«الشفاء» و«الإشارات والتنبيهات» و«النجاة». و له في الشعر نفس طيب، واشتُهر بقصيدة نظمها حول النفس مطلعها:

هبطت إليك من المحل الأرفع      ورقاءٌ  ذات   تعزز   و   تمنع

محجوبةٌ عن مُقلة كلِّ عارف          وهْي التي سَفَرَتْ ولم تَتَبَرْقع

ولم ينفذ من اللغة العربية إلى الفارسية مفرداتها ومصطلحاتها فحسب، بل نفذ الخط العربي أيضا. فقد وجد الإيرانيون أن الخط العربي أسهل بكثير من الخط البهلوي، وأنه يمتلك القدرة للتعبير عن لغتهم بجدارة.

تأثير اللغة الفارسية على اللغة العربية :

يجب أن نعلم أنه لا توجد في العالم لغةٌ خالصة كما يتصور البعض. فاللغة الحية تؤثر وتتأثر، تعطي وتأخذ، وتترك بصماتها على اللغات، وتترك اللغات الأخرى بصماتِها عليها. ويبدو هذا التأثير المتبادل جلياً بين اللغتين العربية والفارسية.

ويبدي أدي شير (رئيس أساقفة الكنائس الكلدانية) في كتابه «الألفاظ الفارسية المعربة» دهشته لنفوذ الفارسية إلى هذا الحد في اللغة العربية، رغم أن الفارسية من فصيلة اللغات الآرية، في حين لم تؤثر في العربية لغات سامية من فصيلة العربية نفسها كالسريانية والرومية والقبطية والحبشية. و الارتباط اللغوي كما نعرف بين اللغات ذات الأصل الواحد أسهل من اللغات ذات الأصول البعيدة.

وليس هناك من سبب مقنع لتفسير هذه الظاهرة سوى أن الإسلام قد قارب بين اللغتين وعمل على إحداث هذا التأثير المتبادل العجيب.

انتقال المفردات :

ونستطيع أن نتبيّن من هذه الآثار، نفوذ المفردات الفارسية إلى متن العربيّة منذ العصر الجاهلي، بل منذ أن اتصل الفرس بالساميين في عصور سحيقة موغلة في القدم، فقد نُقلت إلى العربيّة في العصر الجاهلي الكثير من الألفاظ الفارسية بسبب العامل التجاري خاصة، وتتصل الألفاظ التي نقلها العرب إلى لغتهم ببعض ما كانوا يستجلبونه من الأشياء التي لم تكن عندهم، وببعض ما كانوا يشاهدونه في بلاد فارس ممّا لا عهد لهم به، كألفاظ المسك والمرجان وإقليد كما نُقلت وعرِّبت أسماء بعض الأطعمة، كالفالوذج، والألبسة كالديباج، والإستبرق والسروال، وغيرها، وذكر طائفة منها، الثعالبي في كتابه (فقه اللغة وأسرار العربيّة).

واشتدّ النقل من الفارسية بعد أن انضمَّت إيران إلى الدولة الإسلامية إثر الفتح الإسلامي، وعندها تهيّأت سُبُل الارتباط بأوسع أشكالها، وتسبب عن ذلك نفوذ الألفاظ الفارسيّة بصورة ملحوظة إلى البلاد العربية الإسلامية.

وروى بعض المؤرخين وعلماء العربية؛ أنّ الألفاظ الفارسية جرت على لسان النبي الأكرم (ص) عند حديثه إلى بعض الفرس.

وعندما حلّ العصر العبّاسي اشتد نفوذ الفارسية إلى جانب نفوذ الفرس الذين ساهموا بجد في قيام الدولة العباسية وتوطيد أسباب الحكم لها على يد أمثال أبي مسلم الخراساني وآل برمك وآل سهل بن هارون وغيرهم.

كما كان لعامل الترجمة من الفارسية أعظم الأثر في نقل مؤثرات اللغة الفارسية إلى العربيّة، فقد نقل ابن المقفّع عدداً من الكتب الفارسية إلى العربية أمثال : آيين نامه، خداى نامه، وكتاب كليلة ودمنة، كما ترجم البلاذري كتاب (عهد أردشير)، وكتباً أخرى.

وقد تناول القدامى والمحدّثون من علماء العربية والفارسية أبعاد هذا التأثير في دراساتهم تحت عنوان (التعريب) وسوف أشير فقط إلى أهم كتب المعربات دون الخوض في قضية المعرب لأنه باب واسع يحتاج إلى محاضرات لاستيفاء حقه من البحث.

وأول من وضع كتاباً مستقلاً في المفردات الفارسية التي دخلت العربية هو أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الأهوازي المعروف بالجواليقي. وهو من مفكري القرن السادس الهجري، وقد فرغ من كتابه «المعرب من الكلام الأعجمي» في عام 594 هـ ويحتوي هذا الكتاب على 700 مفردة بعضها سرياني ونبطي وبربري وقبطي وحبشي، إلا أن أكثرها فارسية. وقد استشهد الجواليقي لأغلب هذه الكلمات بالشعر أو الحديث.

وهناك أيضا كتاب «شفاء الغليل» لشيخ الإسلام شهاب الدين أحمد الخفاجي الكوفي الذي كان يعيش في القرن 11 هـ.. و لا يختلف عن معرب الجواليقي إلا في إضافة بعض المفردات الفارسية العامية التي وردت العربية في العصر العباسي.

والكتاب الثالث هو «الألفاظ الفارسية المعربة» تأليف أدي شير رئيس أساقفة الكنائس الكلدانية. طبع هذا الكتاب في بيروت عام 1980م. ورغم أنه يحتوي على مفردات أكثر من الكتابين السالفين لكنه يعاني من أخطاء كثيرة. وللمفكر العربي أحمد تيمور ملاحظات قيمه حول المفردات الفارسية المندمجة باللغة العربية، وقد وردت في سلسلة من المقالات نشرتها مجله «المجتمع العلمي» بدمشق عام 1932م تحت عنوان «الألفاظ العباسية». ولبعض المستشرقين مقالات حول المفردات الفارسية المعربة مثل ما ورد في المستدرك لدوزي.

ونشاهد في كل تلك الكتب والمقالات خللاً واضحاً، فلم تسجل هذه الكتب الثلاثة المذكورة أيا من الاصطلاحات الطبية والصيدلية والمعمارية والموسيقية المهمة. وكتاب «المعرب» للجواليقي لم يدرج المفردات الأجنبية التي انتقلت إلى العربية في العصر العباسي. وفضلاً عن ذلك فإن عدم تبحر هؤلاء باللغة الفارسية قد أوقعهم في‌ أخطاء كثيرة لم تفارق حتى الفيروزآبادي مؤلف «معجم القاموس المحيط» رغم أنه من أصل إيراني.

 وظهر في عام 1968 معجم بالمفردات المعربة بعنوان «واژه‌هاي فارسي در زبان عربي» أي «المفردات الفارسية في اللغة العربية» لمحمد علي الشوشتري. وبعد أوسع معجم ظهر حتى اليوم في هذا المضمار. ويضم ما يربو على 2800 مفردة. وهناك شك في أن تكون كافة المفردات التي أوردها ذات أصل فارسي لاستناده الضعيف أحيانا أو لعدم إدلائه بدليل أو لاعتماده على الحدس والظن. 

من القواسم المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي :

فالقواسم المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي إنما انبثقت من التمازج المشترك بين الشعبين العربي والإيراني منذ العصور التاريخية ثمَّ ازدادت إحكاماً وارتقاء حضارياً بعد الإسلام, إذ دخل أبناء إيران فيه طوعاً وإرادة ورغبة؛ وانصهروا في بوتقة تعاليمه ومبادئه... وعملوا على نشرها...

ولما كانت العربية لغة القرآن والدين الجديد الذي اعتنقوه أقبلوا على تعلّمها وإتقانها كأهلها. وقد تضافر إلى هذا رغبة علمية جامحة وملحة في خدمة الحضارة الإسلامية... صار كثير منهم يتقن اللسانين حديثاً وكتابة. ومن ثمَّ أخذوا ينقلون بوساطة اللغة العربية كثيراً من معارفهم القديمة المكتوبة بلغاتها الأصلية؛ في التاريخ والفن والطب والكيمياء والفلك واللغة والحساب والأدب... وقد شاركهم في هذا عدد من علماء العرب والبلدان المفتوحة الأخرى...

وحينما كانت القواسم المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي تزداد اتساعاً وتنوعاً كانت تتخذ لنفسها أنماطاً عدة عب‍ّرت عنها المصادر كالترجمة والتأليف الأدبي والبلاغي...

إنَّ الحديث عن هذه الأنماط كلها يحتاج إلى مجلدات كثيرة, علماً أن بعض الدارسين سبق إلى ذكر نتف منها كما نلمسه عند محمد غنيمي هلال الذي اتكأ عليه كل من جاء بعده.

ولعل هذا ينقلنا إلى حركة الترجمة وأثرها في إطلاق تفاعل أدبي بين العرب والإيرانيين لا يضاهيه في عناصر الالتقاء ما نجده عند غيرهم, كما وقع في كتاب (كليلة ودمنة) ورباعيات الخيام والمقامات, ممَّا اخترناه. ولهذا عقد ابن خلدون في مقدمته فصلاً عن "حملة العلم في الإسلام" فوجد أكثرهم من الإيرانيين.

ومن هنا نتوقف عند القواسم المشتركة اللغوية والفنية في الأدبين كالألفاظ والمصطلحات والأساليب والاقتباس الحرفي والأوزان والقافية والقصة... فكلها مثلت ملامح مشتركة في الأدب العربي والإيراني. وهي الملامح التي تحققت في موضوعات تعاور عليها الأديان, وكيف تغيّرت وظائفها في بعض الاتجاهات الأدبية, كما نجده في قصص الحب العذري؛ ولا سيما حكاية ليلى والمجنون, وموضوع وصف الأطلال والممالك الزائلة.

 

الترجمة والتأليف:

ليس المقصود في هذا المقام أن نتحدث عن الترجمة باعتبارها تعني نقل الكلام من لغة إلى أخرى؛ أو أن اللغة الأقوى تؤثر في الأضعف... وإنما المقصود ما أنتجته الترجمة من تكوين قواسم مشتركة عديدة بين العرب والإيرانيين على الصعيد الاجتماعي والسياسي والثقافي والأدبي... وقد حمل أعباء ذلك كلٌّ من أبناء الشعبين على السواء, فأكدوا عظمة التفاعل المتبادل بينهم وأتاحوا للأدباء والباحثين والشعراء الاطلاع على ثقافة الشعبين؛ فازدادت إبداعاتهم غنىً وارتقاء... وربَّما أحدثت بعض الكتب المترجمة حركة أدبية عظيمة الأشكال والأفكار والموضوعات والمؤلفات, علماً أن كثيراً من الأدباء والمؤرخين والفقهاء واللغويين صاروا من أصحاب اللسانين العربي والفارسي, ألفوا فيهما ونظموا الأشعار بمثل ما ترجموا منهما... فابن سينا ـ مثلاً ـ ألّف كتباً بالعربية منها (الشفاء والقانون والإشارات) وكتباً بالفارسية منها (دانشنامه علائي) وله شعر عربي كقصيدة (النفس) التي أشرنا إليها واثنتان وعشرون قطعة من الشعر الفارسي... وأبو الريحان البيروني كتب نسختين من كتابه (التفهيم لأوائل صناعة التنجيم) واحدة بالعربية والأخرى بالفارسية... أمَّا الشاعر الصوفي الشهير سعدي الشيرازي (ت 691هـ) فله أشعار بالفارسية, وقصائد بالعربية منها قصيدته في رثاء بغداد على إثر تخريبها بيد المغول سنة (656هـ) :

حبست بجفني المدامع لا تجري‏           فلما طغى الماء استطال على السكر

نسيم  صبا بغداد  بعد خرابها‏            تمنيت  لـو كانت  تمر  على  قبري‏

لأن خراب النفس عند أولي النهى        أحب له من عيش منقبض الصـدر

وإذا كنا سنأتي على ذكر عدد آخر في الأشكال الأدبية المشتركة بين الأدبين العربي والفارسي فإننا سنشير ـ بإيجاز ـ إلى كتابين أحدثا حركة التقاء كبرى بينهما وهما كتاب (كليلة ودمنة) لعبد الله بن المقفع (106ـ 142ه) ورباعيات الخيّام؛ لعمر الخيام, وكلاهما إيرانيان من أصحاب اللسانين.

أمَّا (كليلة ودمنة) فهو أشهر الكتب التي ترجمها ابن المقفع سنة (133هـ) وكان رأس المترجمين العشرة؛ فضلاً عن أنه ألف في العربية عدداً من الكتب مثل (الأدب الصغير, والأدب الكبير, واليتيمة في الرسائل) كما ترجم من الفارسية عدداً آخر لم يصل إلينا منها شيء حتَّى الآن, ومنها (خُداي نامه في السِّيَر, وآيين نامه: القواعد والرسوم, والتاج في سيرة أنو شروان).

ويعد كتاب (كليلة ودمنة) أحد الكتب التي قرّبت بين الأدبين العربي والفارسي في الوقت الذي أحدث فيهما حركة فنية وفكرية... وكان ابن المقفع قد ترجمه عن الفارسية القديمة (الفهلوية) التي نُقل إليها من اللغة الهندية؛ ولما ضاع الأصل الفارسي والهندي صارت الترجمة العربية أصلاً ولا سيما أن ابن المقفع أضاف إليها بعض الأبواب..., وأشهر من ترجمها بعد ذلك إلى الفارسية أبو المعالي نصر الله (سنة 539هـ) ثمَّ ترجمت غير مرّة إلى الفارسية وغيرها من اللغات العالمية.

وإذا كانت قصص مشهد الحيوان معروفة في الشعر الجاهلي فإن السرد القصصي لكليلة ودمنة يختلف كل الاختلاف عمَّا هو في مشاهد الحيوان تلك, فضلاً عن أن ابن المقفع تصرّف في أسلوب السرد ومعانيه بما يتوافق والذوق العربي...

ومن ثمَّ فإن كثيراً من الأدباء واللغويين أخذوا ينقلون منها حكايات وأمثالاً كما نجده في (عيون الأخبار) لابن قتيبة, أو يؤلفون على منوالها كما حُكي عن كتاب (القائف) للمعري الذي ما زال مفقوداً, وكتاب ابن الهبّارية في الشعر (الصادح والباغم) الذي طُبع مرات عدة, وغيرهما.

وإذا كان الدكتور طه حسين قد أعجب بجودة عبارات كليلة ودمنة؛ فإن كثيراً من الأدباء احتذوا ابن المقفع في الكتابة والأساليب وغزارة المعاني, واقتباس الأمثال والحكم من أ فواه البهائم والطير ومن ثمَّ نسجها في أشكال شعرية ونثرية... فأبان بن عبد الحميد اللاحقي نظم كليلة ودمنة شعراً-  ولكن منظومته ضاعت- ونظمها عدد آخر مثل سهل بن نوبخت عام (165هـ).

ولم تقتصر العلاقة بين الأدبين العربي والفارسي على الأدب القديم وإنما امتدت إلى الأدب الحديث. وكان أنوار سهيلي قد ترجم (كليلة ودمنة) إلى الفارسية, ومن ثمَّ ترجمت إلى الفرنسية فتأثر بها لافونتين (1621-1695م) وحاكاها, ثمَّ تأثر الأدب العربي الحديث بها, إذ ترجمها من العرب المحدثين محمد عثمان جلال (ت 1898م)؛ فقد ضمّ كتابه (العيون اليواقظ في الحكم والأمثال والمواعظ) كثيراً من حكاياتها وأفكارها..., واتسمت حكاياته بالإيجاز واستخدام بعض الألفاظ العامية فضلاً عن تأثره بحكايات لافونتين... ومن أبرز التقاطع بين حكايات محمد عثمان جلال والشعر الفارسي أنه نظمها على فن المزدوج/المثنوي عند الإيرانيين؛ في وحدة القافية بين البيتين دون التزامها في القصيدة كلها كما في قصة (الثعلب مقطوع الذنب).

وفي هذا المقام لا ننسى أن نشير إلى أمير الشعراء أحمد شوقي الذي كتب خمسين قطعة على لسان الحيوان تؤكد تأثره بحكايات (كليلة ودمنة) وأفكارها كقصيدته (الثعلب والديك), ومنها تظاهرُ الثعلب بالتقوى والصلاح, وتخلّيه عن كل مكائده وفتكه بالطيور... وإذا كانت الخرافات والأساطير إحدى نقاط الالتقاء بين العرب والإيرانيين فإن كليلة ودمنة جمعت هذا إلى جوانب أخرى.

وليس هناك كتاب يتفوق على (كليلة ودمنة) إلا رباعيات الخيام لأبي الفتح غياث الدين عمر بن إبراهيم الخيام النيسابوري (430-526ه) التي نظمها بالفارسية, فضلاً عمَّا قيل: إنَّ له أشعاراً حسنة بالعربية والفارسية؛ وكذلك كتب بالعربية (مقالة في الجبر والمقابلة) و(رسالة في الوجود) وغيرها؛ فهو أحد أصحاب اللسانين...

ولعل مقام البحث ومنهجه يتأبّى عن الإفاضة برباعيات الخيام وترجماتها؛ وما قيل في شأنها وشأن صاحبها, فقد تكفلت فيه دراسات شتى شرقاً وغرباً... ولكننا نتوقف عند قيمة الرباعيات باعتبار ما انتهت إليه من بناء علاقة كبرى بين الأدب الفارسي والأدب العربي ولا سيما الحديث.

وإذا كان كتاب (جَهار مقاله) للعروضي السمرقندي أقدم وثيقة تاريخية عُنيت بالخيام وفلسفته وطبه وفلكه فإن صاحب حواشي ذلك الكتاب قد أثبت رباعية للخيّام, كما أثبت كتاب (فردوس التواريخ) رباعية لا بأس بها...

ثمَّ وثّق المحققون له رباعيات تراوحت بين (16 و56) وربَّما زاد عددها, فاشتهرت به كما اشتهر بها فأضيفت إليه (رباعيات الخيام) علماً أن فن الرباعيات معروف منذ أواخر القرن الثالث الهجري لدى الشعراء الإيرانيين, ونظم عليه ـ مثلاً ـ شهيد البلخي (ت 325ه) والرودكي السمرقند (ت 329ه) والدقيق الطوسي (ت 368ه) وغيرهم.

ولعل التقاء الرباعيات بفنون عربية كالمشطرات والمربعات والمخمسات لم يكن عرضاً علماً أنها نظمت على وزن الهزج وغيره... وإن تفردت عنها بتكرار المعاني وتفتيق الأفكار... أمَّا التقاؤها بالأدب العربي الحديث فقد كان معنياً؛ إذ أحدثت الرباعيات نشاطاً أدبياً وفكرياً ونفسياً عظيماً, في الوقت الذي دلت على نزوع عقلي امتزج بحس مرهف, وبعاطفة شفافة في معالجتها للبحث عن سر الوجود: الحياة/الموت.

ولهذا فإن ترجماتها العربية زادت على خمس عشرة ترجمة منذ ترجمة وديع البستاني لها سنة (1912م) عن الترجمة الإنكليزية التي قام بها فيتز جيرالد عن الفارسية؛ سواء كانت ترجمة شعرية أم نثرية؛ فضلاً عن دراسات كثيرة وأبحاث أكثر عدداً. وإذا كان البستاني قد أحال الرباعية إلى سباعية فإن ترجمته دفعت من يتقن الفارسية إلى ترجمتها عنها مباشرة كما دفعت الناس إلى تعلم الفارسية لينقلوا الرباعيات عنها كما حدث مع الشاعر أحمد رامي...

ولا مراء في أن ترجمة أحمد الصافي النّجفي تتميز بشفافية عالية سكب فيها روحه ورؤاه؛ فقرَّب الرباعيات إلى الذوق العربي, وما سبقه في هذا إلا أحمد رامي الذي كان يقع تحت تأثير أحزانٍ وهموم لفقده أحد ذويه حين ترجمها سنة (1924م).... دون أن ننسى صوت أم كلثوم الذي أشاع بين العامة عدداً من الرباعيات من ترجمة أحمد رامي.

ولا نرتاب لحظة واحدة في أن فلسفة الخيام في الرباعيات تتقاطع في بعض ملامح منها بما نجده عند الشاعر المعري؛ ولا سيما ما يدور حول مفهوم الوجود ودورة الحياة؛ فالإنسان من تراب وسيعود إليه, أو حول مبدأ الشك واليقين... ويبدو أن هذا كله امتد إلى شعر إيليا أبي ماضي ولا سيما قصيدته (الطلاسم) التي أنشدها بعد أن اطلع على ترجمة فيتز جيرالد للرباعيات, ومنها:

جئت لا أعلم من أين؛ ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدّامي طريقاً فمشيت

وسأبقى ماشياً إنْ شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري.

ولما انطلق الخيام من المبدأ المادي باعتباره شرطاً لوجود العالم وهو بخلاف الموجود الأزلي القديم رأينا إيليا أبا ماضي يحذو حذوه في غير ما مكان من قصيدته السابقة.

ولم يقتصر الأمر على المعري وأبي ماضي بل امتد أيضاً إلى جماعة الديوان كعباس محمود العقاد (1889-1984م) الذي بدأ أولى مقالاته عن الرباعيات سنة (1908م) وأتبعها بدراسات أخرى فضلاً عن معارضته إياه برباعيات أخرى؛ وعبد الرحمن شكري (1886-1958م) الذي ترجم ثلاث رباعيات وكتب عنها؛ وإبراهيم عبد القادر المازني (1890-1949م) الذي كان أكثر تأثراً بالرباعيات من صاحبيه, وردَّ عن الخيام تهمة النزعة الأبيقورية ونزعة التصوف.

ولعل ما أرسته رباعيات الخيّام من قواسم مشتركة بين الأدبين العربي والفارسي فناً وأسلوباً, فكراً ونقداً يدفع بنا إلى إحياء مؤسسات مشتركة بين العرب والإيرانيين لترجمة آدابهما وتراثهما ومؤلفاتهما المختلفة في كل اتجاه... فلماذا لا نجدّد روح (بيت الحكمة) الذي أنشئ في العصر العباسي في بغداد؟!!

ونكتفي بما أشرنا إليه دون أن ننسى عوامل الالتقاء الأخرى التي أدت ازدياد التقارب بين العرب والإيرانيين, وتمازجهما في الحياة والفكر... ويعد الجاحظ (ت 255ه) أحد الأدباء الذين مارسوا ذلك قولاً وفعلاً... فلما أهدى كتابه (الحيوان) إلى الوزير ابن الزيات أهدى (البيان والتبيين) إلى قاضي القضاة ابن أبي دؤاد, وكتاب (الزرع والنخيل) إلى إبراهيم بن العباس الصولي...

ومن يقرأ كتابه (البخلاء) الذي قدمه إلى أحد الأعيان يجد تمازجاً حضارياً فكرياً واجتماعياً مدهشاً سيق بأسلوب أدبي طريف لكل من بخلاء العرب والفرس.

وفي نهاية هذا الاتجاه من الترجمة والتأليف لا يمكننا أن نغفل التنويه بفضل المقامات الأدبية التي نشأت عند العرب وأبدعها بديع الزمان الهمذاني (ت 398ه) وأبي محمد القاسم بن علي الحريري (446-516ه) ثمَّ انتقلت إلى الأدب الفارسي على يد القاضي أبي بكر حميد الدين عمر بن محمود البلخي (ت 559ه). وقلَّد في مقاماته المقامات العربية أسلوباً ومادة؛ وإن ظهر فيها تأثير الروح الفارسية كالتفنن في الأساليب, وسميت بأسماء بعض مناطق فارس كالمقامة البلخية, والسجستانية, والأذربيجانية والجرجانية والأصفهانية وغيرها... دون أن ننسى أن مقامات الحريري تقاسمت الروح الفارسية في الموضوعات والأساليب مع المقامات الفارسية؛ علماً أن حميد الدين كان أكثر تأثراً بها... وقد عرض لذلك عدد من الدارسين والباحثين.

ولعل أهم ما فعلته المقامات من تقاسم مشترك بين الأدبين العربي والفارسي, ومن ثمَّ في الحياة, أن استخدام الألفاظ العربية قد كثر على الألسنة, وشاع استعمال أنماط من التراكيب العربية الكاملة في سياق ما يستدعيه موضوع ما...

ونكتفي بما ذكرناه لننتقل منه إلى القواسم المشتركة في اللغة والأشكال الفنية وفي بعض الموضوعات الأدبية...

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home